كيف تشترى وسيلة إعلام ناجحة؟

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى العام 1889، صدرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، مستمدة اسمها من الشارع الذى يمثل قلب حى المال فى نيويورك، لتكسب سمعة ومصداقية عاليتين على مدى نحو 130 عاماً من عمل صحفى- اقتصادى وُصف دوماً بأنه «شديد الإتقان والتوازن».

وفى أغسطس 2007، كانت «الجورنال»، فى حد ذاتها، خبراً فى شتّى وسائل الإعلام، بعدما دأبت على البحث عن الأخبار طيلة عمرها، فقد اشترى عملاق الإعلام العالمى روبرت مردوخ الصحيفة العتيدة مقابل 5.6 مليار دولار، فى صفقة شهدت تجاذبات ومساومات شاقة، استمرت على مدى نحو ثلاثة أشهر، قبل أن يتم حسمها لمصلحة المستثمر المثير للجدل.

ومردوخ آنذاك هو صاحب شركة «نيوز كورب»، التى تمتلك عدداً من وسائل الإعلام التى تتميز بتحقيق الأرباح الوفيرة وإثارة الجدل الوفير فى الوقت ذاته، فإلى جانب «سكاى نيوز» الرصينة، و«التايمز» اللندنية ذات السمعة الجيدة، هناك «ذا صن» التى تنشر صورة فتاة عارية على صفحتها الثالثة يومياً، وتوزع نحو خمسة ملايين نسخة فى المملكة المتحدة، وهناك أيضاً «نيويورك بوست» الأمريكية ذات قطع «التابلويد»، فضلاً عن «فوكس نيوز» التى تمثل إحدى أكثر الفضائيات تعرضاً للنقد عبر العالم.

لم يكن مردوخ فى هذا التوقيت فى حاجة إلى مزيد من الأرباح، فهو يتصدر قوائم الرابحين فى صناعة الإعلام على مستوى العالم، ولم يكن أيضاً فى حاجة إلى المزيد من الانتشار، فوسائل الإعلام التابعة له تغطى مساحات واسعة من الكرة الأرضية بدءاً من أستراليا وصولاً إلى الساحل الغربى للولايات المتحدة، لكنه مع ذلك دفع نحو أربعة مليارات دولار زائدة عن التقييم المادى للصحيفة لكى يحصل عليها.

لقد تم دفع هذه المليارات الأربعة الإضافية لإرضاء المالكين الذين عارضوا البيع فى البداية، ولم يوافقوا على ذلك إلا بعد ضمانات قدمها المشترى الجديد بالحفاظ على سمعة الصحيفة وخطها التحريرى المهنى المستقل المتوازن، وهو الأمر الذى انعكس فى إنشاء «لجنة نزاهة تحريرية» بموازاة عقد الصفقة، تكون مهمتها الحفاظ على تقاليد الصحيفة وجودة المحتوى الذى تقدمه.

فكيف نجحت تلك الصحيفة فى تعظيم القيمة الفعلية لاسمها لتبلغ هذا الحد، وكيف ضربت بقوانين السوق عرض الحائط، وأقنعت مستثمراً بحذق مردوخ ونباهته بدفع هذا المبلغ الكبير؟

لقد نجحت «الجورنال» بفضل التزامها، إلى حد معقول، قيم العمل الصحفى الرشيد، وليس باعتماد الإثارة أو التشويق أو التهويل أو المبالغة أو ارتكاب الانحيازات.

مر نحو 14 عاماً على انتقال «الجورنال» من مالكيها القدامى إلى «نيوز كورب» التى يملكها مردوخ، وخلال تلك السنوات لم تزدد الصحيفة إلا ألقاً، ولم تتراجع مصداقيتها، أو يختل أداؤها، أو تتغير شخصيتها، ولهذا فقد حافظت على حصتها المادية والمعنوية فى سوق الإعلام العالمى، وعظمت مردود الاستثمار فى شرائها.

فى مقابل قصة «الجورنال» هناك عشرات القصص التى تقدم الصورة المعاكسة، وهى قصص تنتشر فى دول شمولية أو تمر بمرحلة انتقال ديمقراطى تتسم بالهشاشة والارتباك، إذ تبرز وسيلة إعلام عبر تقديم أنماط أداء احترافية تحظى باهتمام الجمهور وقدر من ثقته، فتهرع مصالح سياسية واقتصادية لشرائها بغرض «شراء» هذا الاهتمام وتلك الثقة، وربما تدفع فى ذلك الكثير.

لكن تلك المصالح السياسة والاقتصادية عندما تشترى وسيلة الإعلام الناجحة تبدأ على الفور فى محاولة تسخير خطها التحريرى لخدمة أهدافها المباشرة، بما ينطوى عليه ذلك أحياناً من طمس شخصيتها، وتغييب أسباب ازدهارها، وإنهاء نزعتها المستقلة.

وعندما يحدث هذا، فإن الجميع يخسر، لأن مكانة الوسيلة تتضعضع، والجمهور يفتقد تعبيرها المهنى المستقل، والمستثمر الجديد يبدد استثماره، والمالك القديم يعيش على الأطلال.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق