القدس فى قلوبنا

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أثلج صدرى خبران قرأتهما مؤخرا فى مواقع التواصل الاجتماعى، الخبر الأول «بدأت مراكز الثقافة الإسلامية بوزارة الأوقاف تدريس مقرر دراسى تحت عنوان (القدس مكانة وتاريخ وحضارة) بعد اعتماده من وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، وتوزيع ألفى نسخة على الطلاب من عدد مجلة (منبر الإسلام) الخاص بهذا الملف والذى يحتوى على عدة أبحاث منها (القدس فى الحضارة الإسلامية د. على جمعة) و(القدس فى قرارات الأمم المتحدة د. فوزية العشماوى)».

أما الخبر الآخر فهو تأكيد للخبر الأول، جاء فى كلمة فضيلة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، أمام مؤتمر الأزهر لنصرة القدس، «فقد أعلن أنه تقرر تدريس مقرر دراسى مستقل عن القدس وفلسطين، وسيدرس فى التعليم قبل الجامعى والجامعى بالأزهر، سيتعلم فيه الطلاب كل شىء عن القضية».

هذه خطوات إيجابية محمودة لتطوير التعليم فى الأزهر الشريف، حتى تتواكب الدراسات الدينية مع الواقع المعاش فى عالمنا العربى الإسلامى حاليا. فقضية القدس فى قلب القضية الفلسطينية، والأحداث الأخيرة من اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلى الغاشم على أهالى غزة وعلى قدسية القدس الشريف أيقظت ضمير العالم وأصبح القدس على كل لسان ينطق بالحق، واهتمت منظمة الأمم المتحدة من جديد بالقضية الفلسطينية وبقضية القدس الشريف، وانعقد مجلس الأمن ليصدر قرارات جديدة تضاف للقرارات السابقة التى اتخذها على مدار أكثر من نصف قرن. ولفهم قضية القدس فى وقتنا الراهن يجب أن نرجع إلى الإطارين التاريخى والجغرافى للمدينة حتى نستوعب مدى أهمية القدس على مر العصور كمدينة من أقدم مدن العالم تنافست للسيطرة عليها القوى العظمى فى العالم منذ أقدم العصور وحتى الآن.

والجدير بالذكر أن القدس خضعت للنفوذ المصرى الفرعونى، ابتداءً من القرن الـ 16 قبل الميلاد فى عهد الملك إخناتون وسيتى الأول، وقد نُقش اسمها «أروسالم» على وثائق تل العمارنة. ويرجع اهتمام المسيحيين بالقدس لأنهم يعتبرونها المنبع الروحى للمسيحية، حيث ولد وعاش فيها المسيح عليه السلام حتى صعوده إلى السماء. وأصبحت القدس عربية إسلامية فى عهد الخليفة الثانى عمر بن الخطاب عام 638م وحتى 1917م، وهى تزخر بالشواهد التاريخية والآثار التى تثبت للعالم أن القدس مدينة عربية إسلامية، وقد استمر الوجود الإسلامى فى القدس عبر ثلاثة عشر قرنا بالرغم من المحن والحروب الصليبية، فقد استولى الصليبيون على القدس عام 1099 م وأسسوا فيها ما أطلقوا عليه «مملكة القدس» التى استمرت 88 عاما فقط، حتى استعاد صلاح الدين الأيوبى القدس بعد موقعة حطين عام 1187 م ولكن الصليبيين استولوا على القدس مرة أخرى وظلت تحت سيطرتهم 11 عاما حتى استردها نهائيا ملك مصر الصالح نجم الدين أيوب عام 1244م. وظلت القدس إسلامية تحت الحكم المصرى والعثمانى حتى دخول الجيوش البريطانية ومعهم الصهاينة فى أواخر 1917 وإعلان الانتداب البريطانى على فلسطين. ومنذ أن أنشئت منظمة الأمم المتحدة أخذت على عاتقها إيجاد حلول للنزاع على القدس بين العرب والصهاينة. ولقد قمت بإعداد بحث عن القدس وقرارات الأمم المتحدة عن القدس، والذى أشير إليه فى مقدمة هذا المقال.. وملخصه أن الأمم المتحدة اهتمت بالقضية الفلسطينية وبالقدس الشريف، فخصصت دورة خاصة من الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث قضية فلسطين، فأصدرت فى 29 نوفمبر1947 القرار رقم 181 لتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة يهودية ودولة فلسطينية وتدويل القدس. وقد نص القرار على تخصيص 56 % من فلسطين للدولة اليهودية و43 %للدولة الفلسطينية والقدس الشريف تحت إشراف دولى. وحصل القرار على 33 صوتا لصالح التقسيم، أى ثلثى الأعضاء من بين الدول الـ 57 أعضاء الأمم المتحدة فى ذلك الوقت، وهى النسبة المطلوبة لإقرار القرار، وقد رفضت جميع الدول العربية والإسلامية الأعضاء هذا القرار (مصر وأفغانستان والعراق وإيران وسوريا ولبنان وباكستان والسعودية وتركيا واليمن) إلى جانب اليونان والهند وكوريا، وامتنعت عشر دول عن التصويت. وعندما أعلنت نتيجة التصويت واعتماد قرار التقسيم انسحب جميع المندوبين العرب والمسلمين وأعلنوا فى بيان جماعى رفضهم التام خطة التقسيم واستنكارهم لها، كما رفضوا تدويل القدس. ولم يتحقق التقسيم أو تدويل القدس.

وجاء فى تقرير لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين لعام 1947 أن غالبية سكان القدس من العرب الفلسطينيين، وأن عدد اليهود فى القدس لا يتجاوز 40%، وأن عدد اللاجئين من عرب القدس خارج فلسطين حوالى 70 ألف فلسطسنى. وجاءت النكبة الكبرى عام 1948 عندما أعلن بن جوريون فى 14 مايو 1948 قيام دولة إسرائيل.. وفى اليوم التالى غادر البريطانيون المنطقة وتركوا اليهود والفلسطينيين يتطاحنون على ملكية القدس.. فعقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورة استثنائية لبحث قضية فلسطين وإقرار الهدنة فى القدس، وأصدرت القرار رقم 186 فى 14 /5 /1948 الذى ينص على تعيين وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت للعمل على إدارة الأمور فى القدس وضمان حماية الأماكن المقدسة فيها. وتدهورت الأوضاع فى فلسطين المحتلة وفى القدس، بالرغم من القرارات المتتالية لمجلس الأمن، وأهمها قرار مجلس الأمن رقم 194 فى 11/ 12 /1948، ثم القرار رقم 194 بتاريخ 11 /12/ 1948 وألحقت خريطة بالقرار الذى قضى بانسحاب القوات وإقامة خطوط الهدنة على الوضع الراهن فى القدس، وعودة اللاجئين الراغبين فى العودة إلى ديارهم للعيش فى سلام مع جيرانهم. وانقسمت المدينة شطرين، فأصبح الجزء الشرقى يشمل المدينة القديمة بما فيها من الأماكن المقدسة الإسلامية تحت سيطرة الأردن، بينما احتلت إسرائيل بقية المدينة. وبالرغم من ذلك استمرت إسرائيل فى سياستها لطمس الهوية العربية الإسلامية للقدس واتخاذ كل الإجراءات لتهويد المدينة، متحدية بذلك الأمم المتحدة والمجتمع الدولى.

واستمر الصراع بين العرب والإسرائيليين حتى اندلعت حرب 6 يونيو 1967. وبعد النكسة، احتلت إسرائيل القدس الشرقية، وأصبحت المدينة المقدسة موحدة تحت السيطرة الإسرائيلية. وأخذت إسرائيل فى إجراءات تهويد القدس وتغيير معالمها الأساسية، وإخلاء المدينة من سكانها العرب، ومصادرة أملاكهم وأراضيهم والعبث بالممتلكات الثقافيةأ وطمس المعالم الإسلامية فى القدس.

بعد توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، أعلن الرئيس ياسر عرفات تمسك منظمة التحرير الفلسطينية بقرارى مجلس الأمن 242 و338 الصادرين بعد النكسة، ولكن اتفاقيات أسلو أشير فيها إلى الضفة الغربية لنهر الأردن وإلى قطاع غزة فقط، كالأراضى المخصصة لاستقلال الشعب الفلسطينى، ولم تحدد الاتفاقيات- للأسف الشديد- مصير مدينة القدس.

وجاءت الطامة الكبرى منذ سنتين عندما أعلن الرئيس الأمريكى ترامب أن القدس عاصمة إسرائيل، وتم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. ثم حدث ما لم يكن فى الحسبان عندما أعلنت عدة دول عربية وإسلامية اعترافها بدولة إسرائيل دون أى مقابل وإقامة علاقات دبلوماسية مع دولة احتلال فلسطين وتهويد القدس.. ولكن القدس ستظل عربية إسلامية، وستظل كذلك فى قلب كل إنسان يؤمن بالحق والعدل.

* أستاذة بقسم الحضارة الإسلامية جامعة جنيف سويسرا سابقًا

أخبار ذات صلة

0 تعليق