نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قدر وقيمة الدولة الشقيقة الكبرى, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 03:58 صباحاً
في السياسة كما في الحياة، لا يقاس كبر الدولة بالمساحة ولا بالثروات وحدها، بل بعدالة ومصداقية وحسن تصرفاتها، وحجم وعمق مسؤولياتها نحو قيمتها ومحيطها.
فالدولة الكبيرة لا تعيش لنفسها فقط، بل تجبرها الجغرافيا والتاريخ والرؤية على أن تكون عنصر توازن، ومرجع استقرار، ووسيط عقل في إقليمها كلما عصفت به الطوارئ والتداخلات والتناقضات.
والسعودية خير من يطلق عليها اسم الكبرى في محيطها، وهذا قدرها، فهي لم تكن يوما دولة هامشية، فتشكلت أدوارها منذ البدايات بوصفها دولة أم مركزية، تمتلك الشمولية ورحابة الصدر وكرم المواجهة، وعمق السياسة، والقدرة على البناء، وتنمية الشراكات الاقتصادية، بحكمة قيادة سياسية منفتحة، ما جعلها طرفا عربيا إقليميا جوهريا حقيقيا لا يمكن تحييده أو تجاوزه أو استغلاله.
فمنذ تأسيسها، انتهجت سلسلة حكوماتها سياسة تأكيد بناء القوة، واحترام السيادة، وحماية الحدود، وبناء العلاقات المتوازنة مع الجوار، دون نزعات توسعية، أو سعي لفرض هيمنة، أو تحزب، أو تخريب.
ومع نعم النفط وتدفق الخيرات، ورفع شأن الوطن والمواطن معيشيا وصحيا وعلميا، وتوسع البناء والتواجد المفيد للجيرة تضاعفت المسؤوليات.
السعودية سخرت مكانتها وثروتها كوسيلة محبة وأمن وسلام واستقرار لها، ورفعة شأن لجيرتها، وتنمية متجددة ترتقي بالجميع، ودون حسد أو شذوذ نوايا، فامتدت أياديها ووقفاتها ومساعداتها للقريب والبعيد، وجبرت عثرات الدول المتأزمة، وأصلحت بين المتخاصمين، وساهمت في تخفيف معاناة شعوب حاصرتها الأزمات الإنسانية والبيئية أو أنهكتها الصراعات الداخلية والخارجية.
تلك الأدوار الجلية جعلتها في موضع «الدولة القوية الكبرى الحاضنة»، بقلب نابض وصدر واسع.
ولكن وللأسف، ففي السياسة الإقليمية، غالبا ما يساء تفسير الحب على أنه ضعف، ويقرأ الصبر بوصفه ترددا.
وقد واجهت المملكة محاولات متكررة تنافسية لخلق وقائع سياسية جديدة على حساب أمنها وحدودها، إما عبر منافسات غير متكافئة، أو تدخلات خارجية بالنيابة، أو خيانات صريحة من أطراف أدركت أن الرياض تفضل التهدئة على الصدام.
غير أن هذه الأطراف تجاهلت حقيقة ثابتة: أن السعودية دولة تؤمن بالحوار، لكنها لا تتهاون دقيقة في صيانة حقوقها ومصالحها بالقوة.
وقد تميزت السياسة السعودية بالحرص والوضوح في ترسيم الحدود، وتثبيت وتوثيق الالتزامات والاتفاقيات البينية، ومنع أي فراغ سياسي قد يستغل للإضرار بالأمن الإقليمي.
فهي تدرك أن الغموض يولد الأزمات، وأن ضبط العلاقات يظل شرطا أساسا للاستقرار.
والسعودية وبعد كل ذلك، تبقي خيار الحوار حاضرا، والرجوع للحق ممكنا، ضمن محاولات إصلاح ذات البين للجيرة كأولوية لا تتردد فيها، طالما أن ذلك لا يمس سيادتها وأمنها الوطني.
لكن حين تفشل أدوات التفاهم، وتتحول النوايا السيئة إلى تهديد مباشر، تنتقل الدولة الكبرى من سياسة الاحتواء إلى سياسة الحسم بالقوة.
لا بدافع الغرور، بل دفاعا عن الكيانات والاتفاقات، وحماية للحدود، ومنعا من انزلاق المنطقة إلى فوضى أوسع.
على امتداد أكثر من تسعة عقود، والسعودية محافظة على مسارها السياسي المتوازن، فلم تكتسب مكانتها من فرضها للقوة على الآخرين، بل من ثباتها، ووضوحها، واحترامها لذاتها تكاملا مع احترامها للغير.
وستبقى السعودية دولة عربية إسلامية محورية، تدرك ثمن مكانتها الأخوية والسياسية والإنسانية الباهظ، وأن التفريط فيها أخطر من عبء تحملها.
shaheralnahari@














0 تعليق