كيف نتعامل مع فقدان الشغف؟

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف نتعامل مع فقدان الشغف؟, اليوم الاثنين 22 يونيو 2026 09:53 مساءً

أعتقد أنني والكثيرين مررنا بإحساس مفاجئ لم يأت كحادثة واضحة يمكن الإمساك بها بل كهبوط بطيء في الإحساس بالحياة حتى أصبحنا بلا طاقة، دون مقدمات بدأت الأشياء التي كانت تفرحنا تفقد لونها ثم معناها ثم قدرتها على تحريكنا من الداخل، لكن مع الوقت لا يعود السؤال "لماذا لا أشعر بالحماس تجاهها؟" بل يصبح "لماذا لا أشعر بأي شيء؟". ما يحدث في أغلب الحالات هو نتيجة تراكم طويل من الضغط النفسي والاستنزاف مع العيش لفترة طويلة في وضع البقاء بدلا من العيش، وهنا الجهاز العصبي يتعب فيبدأ في تقليل الاستجابة العاطفية كنوع من الحماية.

من الناحية النفسية لا يعالج فقدان الشغف عبر الضغط على النفس أو إجبارها على استعادة الحماس كما كان، لأن هذا الأسلوب غالبا ما يزيد من الانطفاء الداخلي بل وفي كثير من الحالات يكون العقل في وضع إجهاد أو حماية نتيجة تراكم الضغوط، فيصبح في حاجة إلى تهدئة لا إلى تحفيز إضافي، لذلك الخطوة الأولى في التعافي ليست السعي للعودة السريعة، بل التوقف عن جلد الذات والتعامل مع الحالة بوصفها إشارة لا خللا، الراحة هنا ليست ترفا، بل جزء أساسي من إعادة التوازن النفسي، فالشغف لا يعود تحت الضغط وإنما يعود تدريجيا عندما يهدأ الجهاز العصبي، وتخف المتطلبات الداخلية والخارجية، ويسمح للنفس بأن تستعيد إيقاعها الطبيعي دون تهديد أو استعجال.

قد يبدو الأمر بسيطا من الخارج لمن يشاهد ذلك، شخص لم يعد متحمسا لعمله أو آخر فقد رغبته في هواية كان يحبها أو أصبح أقل تفاعلا مع الحياة اليومية أو مع من يحب؛ فيحكم عليه بأنه "مدلل" أو "أناني"، لكن من الداخل المشهد أكثر تعقيدا، فالصورة مختلفة تماما لأن هناك عقلا مرهقا، وجهازا نفسيا استنزف لفترة طويلة حتى قرر أن يقلل الاستجابة العاطفية تجاه كل شيء كنوع من الحماية، فينظر لنا على أننا لا نرغب في استكمال العلاقة أو تغيرنا أو أننا أصبحنا لا نتمتع بالخبرة الكافية في عملنا أو أقل اندفاعا للحياة والنجاح.

من بين أحد الأمثلة شخص كان يحب عمله بشدة ثم دخل في دائرة من المسؤوليات المتزايدة دون راحة حقيقية، في البداية استمر بدافع الالتزام، ثم تحول الالتزام إلى ضغط، حتى أصبح كل شيء مجرد أداء آلي بلا إحساس، ليس لأن العمل تغير بل لأن الطاقة الداخلية لمن يؤديه لم تعد قادرة على الاستمرار بالقوة نفسها، وهنا يجب أن نعرف أن أول خطوة في التعامل مع فقدان الشغف ليست محاولة استرجاعه، بل التوقف عن محاربته، أي أن نتوقف عن جلد أنفسنا، وعن محاولات إجبار النفس على الشعور بما لا تشعر به، لأن هذا النوع من الضغط لا يعيد الحياة، بل يضيف طبقة جديدة من الإنهاك فوق رأسنا، والأهم من ذلك أن نتعامل مع هذه الحالة بوصفها إشارة لا عيبا فينا، لأنها إشارة تقول إن بداخلنا شيئا يحتاج إلى تهدئة، لا إلى مزيد من التحفيز، فالعقل المرهق لا يستجيب للأوامر بل يحتاج لمساحة آمنة يتوقف فيها عن الدفاع المستمر.

التعافي الحقيقي يبدأ حين نغير طريقة النظر إلى أنفسنا في هذه المرحلة، أي حين نتوقف عن فكرة أننا تأخرنا أو انتهينا، أن نفهم بأن الفتور المفاجئ ليس نهاية الطريق، بل جزء منه، وأن الإنسان لا يعيش دائما في ذروة الإحساس، بل يمر بمراحل صعود وهبوط طبيعية، والحقيقة أن الشغف لن يعود بالقوة ولا الإجبار بل بالهدوء، حين تخف الضغوط وتقل المطالب ويسمح لك أن تستعيد توازنك دون استعجال، وبالرغم من ذلك قد لا يعود، بل سيتسلل تدريجيا في لحظات صغيرة، كاهتمام بسيط بأن تتناول فنجانا من القهوة مع شروق الشمس أو رغبة خفيفة في التنزه أو شعور بالارتياح تجاه شيء كان عاديا من قبل أو هواية فقدتها سابقا، فقدان الشغف ليس إعلانا عن النهاية، بل هو رسالة صامتة تقول لك بأن داخلك يحتاج إلى إصغاء أكثر من التوجيه، وإلى الرحمة أكثر من المحاسبة واللوم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق