نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
استثمار «المشاهير» في المحافل الوطنية: استنزاف مالي واستغلال للعلامة التجارية, اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 09:22 مساءً
لفت انتباهي مؤخرا، في ظل تغطية مشاركة منتخبنا السعودي في بطولة كأس العالم الحالية، ظاهرة إعلامية لافتة تثير الكثير من التساؤلات الجوهرية حول معايير الاتصال المؤسسي لدينا، فبينما كان الهدف من دعوة عدد من المؤثرين هو مواكبة مشاركات المنتخب وإبراز الإنجازات الفعلية، تحول المشهد إلى حالة اتصالية غير مألوفة، إذ استغل البعض منهم هذا التكليف أو الرعاية الرسمية لترويج أهداف تجارية شخصية بعيدة كل البعد عن المهمة الوطنية التي وجدوا لأجلها، فمن منظور اتصالي استقصائي، يمكن تفسير هذا السلوك بما يعرف بـ(تضخم الأنا التسويقي)، حيث تغلب المصلحة الاقتصادية الفردية على الرسالة الوطنية، وهو ما يتعارض مع المهنية الإعلامية والتسويقية، بل هو إخفاق استراتيجي صريح في إدارة «رأس المال الرمزي» للقطاع ذاته، وتفريط غير مبرر في الدور الأساسي وهو تغطية الإنجازات الوطنية وإبرازها للجمهور.
إن نجاح الحملات الحكومية يعتمد في المقام الأول على «انسجام السياق»، وعندما يدمج المؤثر إعلانا تجاريا لمتاجر ضمن محتوى يوثق تجربة منتخبنا السعودي، يحدث ما يسمى بـ(التنافر الإدراكي) لدى المتلقي؛ إذ يجد الجمهور نفسه عالقا بين العاطفة الوطنية والرسالة البيعية المباشرة، مما يؤدي إلى تآكل قيمة الرسالة الاتصالية الرسمية، وتحويلها إلى مجرد خلفية باهتة لإعلان تجاري.
وتتجلى الإشكالية بشكل أعمق عند النظر إلى فجوة الحوكمة في عقود هؤلاء المؤثرين، مما يتضح إلى عدم وجود بنود تستند على الاستئثار بالمحتوى. فوفقا لأسس الدراسات الاتصالية المتقدمة، كان من المفترض أن تتضمن هذه العقود شروطا حصرية تمنع الإعلان الخارجي خلال فترة المهمة الموكلة، لضمان تركيز الرسالة على أهدافها الاستراتيجية.
إن سماح المؤسسات بممارسة هذا السلوك دون مساءلة يساهم بشكل مباشر في «تسليع المهام»، مما يدفع الجمهور للتشكيك في موثوقية هذه الحملات برمتها، ويستغل الشعور العاطفي للمنتخب إلى مجرد منتج للبيع والشراء في سوق المؤثرين، وهو أمر يلحق ضررا فادحا بهيبة المؤسسات بشكل عام على المدى الطويل.
إننا أمام مرحلة تتطلب تحولا جذريا في استراتيجيات الاختيار وآليات التكليف، مع ضرورة التركيز على صناع المحتوى المتخصصين بدلا من الاعتماد الكلي على الانتشار الرقمي، كما يجب تطوير اتفاقيات مهنية تفرض التفرغ الكامل للمؤثر خلال التغطية، مع جدول أعمال محدد يخدم أهداف الجهة، وفي حال استمرار هذا التخبط، ألا يحق لنا التساؤل بجدية عن جدوى إدراج هذه الضوابط ضمن السياسات الحكومية، أو حتى المضي قدما نحو تأسيس وكالة تسويق حكومية متخصصة، تضمن احترافية الرسالة، وسلامة السياق، وجودة المحتوى الإعلامي الحكومي؟

















0 تعليق