نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أزمة الهروب تضرب استقرار الرياضة المصرية.. ضعف العائد المادي وغياب الرعاة.. والحلم الأولمبي يتحول إلى رحلة بحث عن لقمة العيش, اليوم الأحد 30 أغسطس 2026 11:19 صباحاً
تشهد الرياضات الفردية في مصر، وعلى رأسها المصارعة، أزمة متصاعدة باتت تهدد استقرار المنتخبات الوطنية، بعدما تحولت ظاهرة "هروب" اللاعبين أثناء البطولات الدولية إلى واقع متكرر يثير قلق المسؤولين والخبراء على حد سواء.
وكان آخر فصول هذه الأزمة هروب لاعب المصارعة زياد حجاج، الذي كان يمثل مصر في بطولة العالم المقامة في سلوفاكيا، تلاه بأيام هروب زميله محمد مصطفى الشامي أثناء مشاركته في دورة ألعاب البحر المتوسط بإيطاليا، في واقعتين أعادتا فتح ملف شائك ظل مسكوتًا عنه لسنوات.
المال في قلب الأزمة
يجمع خبراء رياضيون على أن جذور الظاهرة تعود في الأساس إلى أسباب مادية بحتة.
فالعائد المالي الذي يحصل عليه لاعبو الألعاب الفردية كالمصارعة والملاكمة من مشاركاتهم في البطولات يظل، بحسبهم، ضعيفًا للغاية، ولا يمكن أن يشكّل مصدر دخل يعتمد عليه اللاعب في الإنفاق على نفسه وأسرته، خصوصًا في ظل ارتفاع تكلفة المكملات الغذائية التي يحتاجها بشكل مستمر ضمن برنامجه التدريبي.
ويضيف الخبراء سببًا ثانيًا لا يقل خطورة، يتمثل في غياب الرعاة والشركات الخاصة عن دعم أبطال الألعاب الفردية بالقدرالكافي، على عكس ما هو معتاد في عالم كرة القدم التي تحظى باهتمام تجاري وإعلامي واسع يوفر لنجومها دخلًا مجزيًا يفوق بمراحل ما يحصل عليه أبطال الألعاب الأخرى رغم إنجازاتهم القارية والعالمية.
شهادات من قلب الأزمة
جاءت تصريحات اللاعبين الهاربين لتؤكد ما ذهب إليه الخبراء وتضع الأزمة في سياقها الحقيقي.
فقد لخّص محمد مصطفى الشامي معاناته بعبارة دالة، حين صرّح بأنه لو استمر في المصارعة بالوضع الحالي لخمس عشرة سنة أخرى فلن يجد المال الكافي لشراء شقة أو الزواج، في تصريح يعكس حجم المعاناة التي يعيشها جيل كامل من الأبطال الذين رفعوا اسم مصر في المحافل الدولية دون أن يجدوا استقرارًا ماليًا يليق بمستوى إنجازاتهم.
روشتة الاتحادات لإنقاذ اللاعبين
في مواجهة تصاعد الظاهرة، بدأ مسؤولو الاتحادات الرياضية في طرح حلول تهدف إلى الحد من هروب اللاعبين بحثًا عن فرص عمل في الخارج.
وكشف إبراهيم عادل مصطفى، السكرتير العام لاتحاد المصارعة، عن مقترح يقضي بتعيين لاعبي المنتخبات القومية في المنشآت التابعة لوزارة الشباب والرياضة، سواء كانت أندية أو مراكز شباب أو حتى شركات وهيئات حكومية في مختلف المجالات، مع منحهم تفرغًا رياضيًا كاملًا باعتبارهم ممثلين للمنتخبات القومية.
وأوضح مصطفى أن هذه الخطوة، إذا ما تم تفعيلها، ستضمن للاعب مصدر دخل ثابت أثناء فترة نشاطه الرياضي، كما ستؤمّن له وظيفة مناسبة بعد اعتزاله، فضلًا عن مساهمتها في تحقيق استقرار اجتماعي حقيقي لهؤلاء الأبطال، إلى جانب الرواتب التي يحصلون عليها من أنديتهم واتحاد اللعبة.
منيع: الأزمة الحقيقية في "الاهتمام المادي"
في السياق ذاته، أضاف بطل المصارعة عبداللطيف منيع شهادة أخرى تصب في الاتجاه نفسه، مؤكدًا أن المبالغ التي يحصل عليها اللاعبون لا تكفي لتغطية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم.
وأوضح منيع أن جوهر الأزمة لا يكمن في نقص الموهبة أو الإنجازات، وإنما في غياب الاهتمام المادي الحقيقي بالأبطال، سواء من خلال رواتب تليق بمستواهم وتاريخهم الرياضي، أو من خلال توفير معسكرات وتجهيزات حديثة من شأنها رفع مستواهم الفني والبدني في مواجهة أبطال اللعبة في الخارج.
المكافآت.. المعادلة الغائبة
من جانبهم، شدد خبراء في اتحادات الألعاب الفردية على ضرورة زيادة قيمة مكافآت البطولات بشكل ملموس، حتى تواكب طموحات اللاعبين وتقترب من حجم الإنفاق المعمول به في الدول المنافسة لأبطال مصر على الساحة الدولية.
وأكدوا أن توفير الاستقرار المادي للأبطال لم يعد رفاهية، بل بات يمثل كلمة السر الحقيقية وراء تفوقهم واستمرارهم على أعلى مستويات المنافسة الرياضية.
سجل طويل من الهروب.. مصر تخسر مواهبها بصمت
الأزمة ليست وليدة اليوم، فسجل الهروب يمتد لسنوات ويكشف نمطًا متكررًا يصعب تجاهله.
ففي عام 2017، غادر المصارع أحمد حسن فندق إقامة منتخب الشباب خلال بطولة العالم المقامة في فنلندا، وحصل على جواز سفره من غرفة المدير الفني قبل أن يتوجه إلى السويد.
وبعد عامين، أي في 2019، كرر شقيقه حسن حسن السيناريو ذاته وهرب خلال بطولة العالم التي أُقيمت في المجر.
وفي العام نفسه الذي سبق ذلك، أي 2017، كانت مصر تخسر أحد مواهبها في الجمباز، حين سافر عبد الرحمن مجدي إلى تركيا وتم تجنيسه هناك تحت اسم "آدم أصيل"، ليحقق لاحقًا لقب بطولة العالم للجمباز عام 2022 وبطولة أوروبا عام 2023 بقميص منتخب تركيا.
والمفارقة أن القصة وصلت وقتها إلى قبة البرلمان، حين كشف خالد عبد العزيز، وزير الشباب والرياضة الأسبق، أمام لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب أن الدولة أنفقت على إعداد اللاعب مبلغ 2 مليون دولار، في وقت لم تفلح فيه كل هذه الاستثمارات في احتوائه أو إقناعه بالبقاء.
ولم تسلم الأجيال الصغيرة من الظاهرة، إذ هرب محمد عصام، لاعب منتخب الناشئين للمصارعة تحت 17 عامًا، عقب مشاركته في بطولة العالم للناشئين المقامة في إيطاليا عام 2022، في واقعة أثارت الجدل كون اللاعب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره وقتها.
وفي 2023، تكررت القصة مع أحمد بغدودة، الذي حصل على الميدالية الفضية في بطولة أفريقيا المقامة بتونس، لكنه بدلًا من العودة إلى مصر بميداليته توجّه إلى فرنسا مستغلًا تأشيرة كانت بحوزته.
هذه الوقائع مجتمعة، والممتدة عبر ما يقرب من ست سنوات، تؤكد أن أزمة هروب الأبطال لم تعد استثناءً عابرًا، بل باتت ظاهرة متجذرة تطال مختلف الألعاب الفردية والفئات العمرية، من الناشئين حديثي السن إلى الأبطال القاريين المتوجين بالميداليات.
خلاصة الأزمة
تكشف وقائع الهروب المتكررة أن أزمة المصارعة المصرية، وغيرها من الألعاب الفردية، لم تعد مجرد حالات فردية معزولة، بل باتت مؤشرًا على خلل بنيوي في منظومة دعم الأبطال.
وبين مقترحات التعيين ومطالب زيادة المكافآت، يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل تتحرك الجهات المعنية بالسرعة الكافية لوقف نزيف المواهب قبل أن تفقد مصر المزيد من أبطالها؟


















0 تعليق