تعليمنا.. من إنقاذ المنهج إلى إنقاذ الرسالة

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تعليمنا.. من إنقاذ المنهج إلى إنقاذ الرسالة, اليوم الاثنين 31 أغسطس 2026 02:38 مساءً

هل أزمتنا أزمة تعليم، أم أزمة فلسفة تعليم؟ السؤال لم يعد متعلقًا بمدرس أخطأ، أو منهج تغير، أو درس خصوصي أرهق الأسرة. القضية أعمق: ماذا نريد من التعليم أصلًا؟

حين يتحول بعض المدرسين إلى نجوم منصات، وتصبح الدروس الخصوصية عبئًا دائمًا على الأسرة، وتتغير المناهج قبل أن يستقر عليها المعلم والطالب، وتتحول بعض الامتحانات إلى اختبار للقدرة على تحمل الغموض، ثم يأتي الغش ليقدم طريقًا مختصرًا إلى النجاح، فإننا لا نواجه أخطاء متفرقة، بل نواجه خللًا في البوصلة.

 

لقد أصبح السؤال أحيانًا: كم حصل الطالب؟ بدلًا من أن يكون: ماذا تعلم؟ وماذا يستطيع أن يفعل بما تعلم؟ وهنا سؤال لا يجوز الهروب منه: ألم يتعلم أحمد زويل ونجيب محفوظ وأنور السادات وغيرهم من العقول المصرية التي أبهرت العالم في مدارس مصر؟ ألم تخرج من مدارسنا، في ظروف وإمكانات أقل كثيرًا، أجيال من العلماء والأدباء والأطباء والمهندسين والقادة؟

 

إذن.. إذا كانت تلك المدارس قادرة على صناعة هذه العقول، فما الذي تغير؟ ليس الطالب وحده. وليس المعلم وحده. وربما ليست المناهج وحدها. الذي تغير، في جانب مهم، هو فلسفة التعليم نفسها.

 

لقد أصبحت الشهادة في أحيان كثيرة غاية، والامتحان مركز العملية التعليمية، والدرس الخصوصي حلًا موازيًا، والحفظ طريقًا آمنًا، والدرجة معيارًا للنجاح. وهكذا تراجعت الأسئلة التي تصنع الإنسان: هل يفكر؟ هل يناقش؟ هل يبحث؟ هل يبتكر؟ هل يستطيع أن يصل إلى الإجابة بدلًا من حفظها؟

 

هذه هي الفجوة بيننا وبين النظم التعليمية الأكثر تقدمًا. هناك يبدأ الإصلاح من سؤال: أي إنسان نريد أن نصنع؟ ثم يأتي المنهج والامتحان والتكنولوجيا لخدمة هذا الهدف. أما نحن فكثيرًا ما نبدأ من الكتاب، ثم نغيره، ثم نغير الامتحان، ثم نغير النظام، بينما يبقى السؤال الأكبر مؤجلًا.

 

التعليم ليس كتابًا جديدًا كل عام. وليس جهازًا لوحيًا في يد الطالب. وليس امتحانًا أكثر صعوبة. التعليم إنسان ومعلم ومدرسة وفلسفة. وإذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا، فعلينا أن نعيد للمعلم مكانته. أجر عادل، وتدريب حقيقي، وتقييم مهني، ومساحة للإبداع، وفي المقابل محاسبة حاسمة على أي تجاوز مهني أو أخلاقي.

 

وعلينا أن نعيد للمدرسة قدرتها على تقديم تعليم يستحق أن تدفع الأسرة من أجله، بدلًا من أن تصبح الدروس الخصوصية هي المدرسة الحقيقية، والمدرسة مجرد محطة للحضور والامتحان. أما الامتحان، فلا نريده سهلًا يساوي بين المجتهد وغيره، ولا غامضًا يستنزف الطالب. نريده عادلًا يقيس الفهم والتحليل والتطبيق، ويكافئ من تعلم بالفعل.

 

والغش ليس مجرد مخالفة داخل لجنة. إنه درس تربوي خطير: أن تصل إلى النتيجة دون أن تستحقها. ومجتمع يقاوم الفساد لا يمكن أن يربي أبناءه على هذه القاعدة. ولا يعني الانفتاح على العالم أن نتخلى عن لغتنا وهويتنا، كما لا يعني الاعتزاز بالعربية أن نغلق نوافذنا على المعرفة العالمية. نريد طالبًا قويًا في لغته، متقنًا للغات العالم، قادرًا على استخدام التكنولوجيا وصناعة المعرفة لا مجرد استهلاكها.

 

مصر لا تعاني فقرًا في العقول. زويل لم يكن معجزة منفصلة عن هذا الوطن، ومحفوظ لم يكن استثناءً صنعته الصدفة، والسادات لم يكن وحده في جيله. وراء هؤلاء آلاف العقول التي وجدت طريقها، وآلاف أخرى ربما لم تجد البيئة التي تكتشفها.

 

المشكلة ليست في المصري.. وإنما في النظام الذي قد يكتشف موهبته أو يدفنها تحت ركام الحفظ والدرجات. لذلك لا نحتاج إلى مشروع وزير جديد بقدر ما نحتاج إلى مشروع دولة للتعليم؛ مشروع لا يتغير بتغير الوزراء، ولا يخضع لموضة تربوية عابرة، ولا يجعل أبناءنا ومعلمينا حقولًا لتجارب متكررة.

 

سبع كلمات قد تختصر الطريق: مدرسة قوية، معلم محترم، منهج مستقر، امتحان عادل، لغة راسخة، تكنولوجيا ذكية، وتربية تسبق الشهادة، وقبل كل هذا أسرة متماسكة تحسن التربية وتجيد تعليم أبنائها مكارم الأخلاق. فالطفل الذي يدخل الفصل اليوم هو المواطن الذي ستحتاج إليه مصر بعد عشرين عامًا.

ولهذا فالسؤال ليس: كيف نرفع درجات أبنائنا؟ بل كيف نعيد إلى المدرسة قدرتها على اكتشاف زويل جديد، ومحفوظ جديد، وقائد جديد، وعشرات الآلاف من العقول التي تستطيع أن تصنع المستقبل؟ لقد كانت مصر دائمًا غنية بالعقول. فلا تجعلوا فقر النظام التعليمي يحول هذه الثروة إلى طاقة مهدرة. إنقاذ التعليم لا يبدأ من الكتاب. إنه يبدأ من إنقاذ الرسالة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق