هل كان يوسف والي وزير المبيدات المسرطنة؟

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل كان يوسف والي وزير المبيدات المسرطنة؟, اليوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 12:16 مساءً

في هذه الأيام تحل الذكرى السادسة لرحيل الأستاذ الدكتور يوسف والي، أحد أبرز من تولوا مسؤولية الزراعة في تاريخ مصر الحديث، والرجل الذي قاد هذا القطاع لأكثر من عشرين عامًا، ارتبط اسمه خلالها بمرحلة كاملة من تاريخ الزراعة المصرية ومؤسساتها البحثية والإنتاجية والرقابية. ومع ذلك، بقيت عبارة واحدة تطارد الرجل في حياته وبعد رحيله: مبيدات يوسف والي المسرطنة!


عبارة تكررت حتى تحولت، في الوعي العام، من اتهام يحتاج إلى إثبات إلى حقيقة يُستشهد بها، ثم ذهب البعض أبعد من ذلك فنسب زيادة معدلات السرطان في مصر إلى هذه المبيدات، وبحكم تخصصي كباحث في مجال الصحة النباتية، أقول إن المشكلة تبدأ من العبارة نفسها.

 

فمصطلح المبيد المسرطن بالصورة التي استقر بها في الخطاب العام مضلل علميًا، وفي علم السموم هناك فارق أساسي بين الخطورة الكامنة Hazard والمخاطر الفعلية Risk. قد تمتلك مادة كيميائية قدرة محتملة على إحداث تأثير ضار، وقد تصنفها جهة علمية وفق قوة الأدلة على هذه القدرة، لكن هذا شيء، والقول إن استخدامها سيؤدي بالفعل إلى السرطان شيء آخر تمامًا.


والمخاطر لا يحددها اسم المادة وحده، وإنما تحددها الجرعة، والتركيز، وطريق التعرض، ومدته وتكراره، وطريقة الاستخدام. وهذه ليست وجهة نظر، وإنما أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها علم السموم وتقييم المخاطر الكيميائية.


ولهذا لا يتعامل العالم مع المبيدات بمنطق ساذج يقسمها إلى عبوتين: مبيد مسرطن ومبيد غير مسرطن. تُقيّم المادة الفعالة، وتحدد استخداماتها وجرعاتها، وفترات الأمان قبل الحصاد، ومستويات التعرض المقبولة، والحدود القصوى لمتبقياتها في الغذاء، وتُراجع هذه التقييمات كلما ظهرت معارف ومعلومات  علمية جديدة.


حتى وجود متبقي للمبيد في الغذاء لا يعني، في ذاته، أن الغذاء أصبح سامًا أو مسرطنًا. السؤال العلمي هو: كم يبلغ هذا المتبقي؟ وهل تجاوز الحدود المقررة الآمنة ؟ وما حجم التعرض الناتج عنه؟، ومن هنا تحديدًا تظهر مسؤولية الاستخدام.


فإذا كانت الجرعة الموصى بها مقدارًا محددًا فضاعفها المستخدم، أو كرر الرش بالمخالفة للتوصيات، أو استخدم المبيد على محصول غير موصى به، أو جمع الثمار قبل انتهاء فترة الأمان، فنحن أمام سوء استخدام للمبيد، وليس أمام دليل على أن المبيد في ذاته مادة للسرطان.


ومن غير المنطقي أن يتحمل وزير الزراعة مسؤولية كل مزارع خالف جرعة، أو تجاهل فترة أمان، أو أساء تطبيق المبيدات في ملايين الحقول، هذا لا يعفي من مسؤولية الجهات الرقابية المختصة في تتبع وتسجيل المبيدات ومصانعها وهو موضوع خارج سياق ما نتحدث عنه هنا، ثم هناك حقيقة تستحق أن توضع أمام الرواية التي ظلت تتكرر لعقود.


يوسف والي، الذي صُوِّر أحيانًا وكأنه فتح أبواب مصر عمدًا لما سمي (المبيدات المسرطنة) شهد عهده إنشاء وتطوير مؤسسات رقابية وبحثية متخصصة في سلامة الغذاء والمبيدات، ومن بينها المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية، الذي أُنشئ في عهده للكشف تحديدًا عن متبقيات المبيدات والملوثات.

 

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يستقيم منطقيًا أن يكون الرجل متآمرًا لإغراق غذاء المصريين بمواد يعلم أنها تسبب السرطان، وفي عهده تُنشأ منظومة علمية للكشف عن متبقيات هذه المواد ومراقبتها؟

 

أما ما عرف إعلاميًا بـ قضية المبيدات المسرطنة فقد كانت قضية شهدتها ساحات القضاء وكانت واقعه مرتبطة بصفقات بعينها -على حد ما اتذكر- واقعة لها متهمون محددون، وصدرت فيها أحكام بحق أشخاص محددين.
لكن المسؤولية الجنائية شخصية. ولا أعرف قاعدة قانونية أو علمية تجعل إدانة مسؤول داخل مؤسسة تنتقل تلقائيًا إلى الوزير الذي يرأسها.

 

وإذا كان هناك حكم قضائي نهائي أدان يوسف والي شخصيًا في هذه القضية، فالحكم هو ما ينبغي الاستناد إليه، لا عشرات السنوات من تكرار العبارة  نفسها دون ادانة رسمية، او صلة اختصاص. أما الادعاء الأخطر، وهو أن مبيدات يوسف والي تسببت في زيادة معدلات السرطان في مصر، فهنا يجب أن يتوقف الكلام ويبدأ العلم..


إثبات أن عاملًا بعينه تسبب في زيادة مرض على مستوى مجتمع كامل يحتاج إلى دراسات وبائية Epidemiological Studies تثبت العلاقة بين التعرض والمرض، وتحدد المواد والجرعات ومدد التعرض وأنواع السرطان، وتفصل أثرها عن عشرات العوامل الأخرى.


فالسرطان مجموعة معقدة من الأمراض متعددة الأسباب، وليس نتيجة تلقائية للتعرض لمادة واحدة. ولهذا فإن القول إن زيادة السرطان في مصر سببها مبيدات يوسف والي دون دليل وبائي يثبت العلاقة السببية ليس استنتاجًا علميًا، مهما تكرر.
 

والأمر في النهاية أبسط مما صنعناه. من يقول إن يوسف والي أدخل مبيدات مسرطنة إلى مصر، كان عليه أن يستشهد بدلائل وأدلة تحدد المادة الفعالة، وتصنيفها العلمي في وقت دخولها، ووضعها التنظيمي آنذاك، والدول التي كانت تستخدمها، والقرار الذي خالف القواعد، والدليل الذي يثبت مسؤولية الرجل عنه.


ومن يقول إن هذه المبيدات أصابت المصريين بالسرطان، كان عليه أن يقدم الدراسة التي أثبتت العلاقة السببية. أما أن تتكرر العبارة لعشرين أو ثلاثين عامًا، ثم يصبح طول عمرها هو دليل صحتها، فهذه ليست طريقة العلم في إثبات الحقائق.

ربما كان أكثر ما ظلم يوسف والي أن الاتهام كان قصيرًا وسهل الحفظ: مبيدات مسرطنة، وزاد على ذلك زهده في الدفاع عن نفسه وملاحقة الشائعات، بينما الحقيقة العلمية كانت ومازالت تحتاج إلى شرح.


ومع الوقت انتصر الاختصار على التفسير، والعنوان على التفاصيل، والتكرار على الدليل. والشائعات على الصمت.
أكتب هذا اليوم لا دفاعًا سياسيًا عن الدكتور يوسف والي، وإنما شهادة في مسألة تقع في صميم تخصصي. ربما عزفت عن التعرض لها في حياته لأسباب، وأقولها بوضوح:
تصنيف مادة من حيث قدرتها المحتملة على إحداث السرطان لا يعني أن استخدامها وفق الضوابط العلمية يؤدي إلى السرطان. ووجود متبقي لمبيد لا يعني أن الغذاء مسرطن. وسوء استخدام المبيد لا يجعل الوزير مسؤولًا عن خطأ مستخدمه. ولا توجد علاقة سببية علمية لمجرد أن مرضًا زاد في الفترة نفسها التي استخدمت فيها مبيدات معينة.
هذه قواعد علمية، وليست دفاعًا عن شخص.

 

وبعد ست سنوات من رحيله، ربما لا يحتاج يوسف والي إلى من يدافع عنه بقدر ما نحتاج إلى أن نعيد قراءة ما قيل عنه بعقل أكثر إنصافًا. لقد رحل الوزير والي، ولم يعد قادرًا على الرد. وبقيت الوثائق، ويبقى العلم. فلنحتكم إليه،
فالإنصاف لا يعني أن نطلب من الناس أن يحبوا يوسف والي، وإنما ألا ندينه بما لم يثبت عليه. والشائعة، مهما عاشت، لا تصبح حقيقة. والإتهام مهما تكرر لن يصبح دليل.

 * كاتب المقال: استاذ أمراض النبات المساعد بمركز بحوث الصحراء، خبير استشاري الصحة النباتية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق