قطار سوهاج.. أسوأ الاختيارات

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

■ «جمال يا منصور قدامك 157 اربط هتخبط فيه»، تكررت النداءات المتوالية من عاملى غرفة المراقبة لتوجيه قائد القطار 2011 المكيف والذى اصطدم بالقطار 157 مميز، وذلك على جهاز القطار وهاتفه الشخصى، ولكن السائق جمال منصور لم يرد، ولم يسمع فقد ترك القطار لمساعده لقضاء بعض مصالحه.

■ خاف مساعد السائق من الرد حتى لا يكتشف الجميع مصيبة تزويغ السائق من مهمته الخطيرة كجراح ترك بطن المريض مفتوحاً ومضى للعبث، أما السائق نفسه فرفض الرد على التليفون حتى لا ينكشف أمره على أساس أن مساعده سيقوم بالمطلوب.

■ مساعد السائق «أبوالحجاج» لم يكن على دراية كافية بالتصرف فى مثل هذه المواقف الخطيرة، واختار أسوأ الاختيارات جميعا فرفض أن يرد على من يحذره أو يستجيب للتخدير أو يتحدث مع أحد ليشرح له كيفية التصرف السليم، فاختار واحدا من أسوأ اختيارات الهروب من المسؤولية فقفز من الجرار قبل اصطدامه بالقطار المميز ليفجر واحدة من مآسى السكك الحديدية المصرية والتى لا تقل بشاعة وهولا عن سابقاتها.

■ هذا السيناريو تكرر عدة مرات من قبل فى تاريخها، قطار سابق يتعطل فى الطريق، يسرع القطار اللاحق به فيندفع خلفه فى سرعة جنونية ثم يصطدم به، دون أن تمنعه إشارة أو تحذير.

■ وهذه من أسوأ أنواع الحوادث، حيث يقتل ويصاب وتثكل وترمل وييتم المئات والآلاف وتخرب القطارات وتدمى القلوب وتكسر العظام وتكثر الآهات فى البيوت والمستشفيات.

■ حالات اصطدام القطارات حدثت عشرات المرات منها على سبيل المثال لا الحصر: عام 1993 شمال القاهرة وقتل 12، وعام 1995 وقتل 75 راكباً، وفى عام 1997 فى أسوان اصطدم قطاران وقتل 11، وفى عام 1999 وقتل 10 وفى فبراير 2006 بالإسكندرية وأصيب 20 شخصاً، وفى أغسطس 2006 وقتل 80، وأصيب أكثر من 162 مصاباً، وعام 2007 شمال القاهرة وقتل 58 شخصاً وجرح 140، وعام 2009 عند العياط وقتل 30، وعام 2012 بالفيوم وقتل أربعة وجرح العشرات، وعام 2013 اصطدم قطاران أحدهما قطار تجنيد فقتل 17 مجنداً وجرح أكثر من 100، وعام 2017 عند الإسكندرية فقتل 41 وجرح 132، وعام 2018 اصطدم قطارا بضائع بكوم حمادة فقتل 12 وأصيب 39.

■ كل هذه الحوادث نسخة واحدة مكررة عبارة عن اصطدام قطارين، وعادة ما يكون أحدهما قد تعطل أو توقف بسبب أو بآخر، وهذه الصدامات هى السبب الأعم فى حوادث القطارات وأكثرها بشاعة، ولم يوجد لها حل حتى الآن، فمشكلة المزلقانات حلت وزارة النقل الجزء الأكبر منها بتطويرها وإلغاء غير الشرعية منها وميكنتها ومتابعتها.

■ أما أبشع حوادث السكك الحديدية المصرية فهى حادثة العياط الشهيرة التى وقعت فى عام 2002 والتى قتل فيها أكثر من 300 وجرح فيها أضعاف هذا العدد.

■ عشرات وزراء النقل استقالوا أو أقيلوا جراء هذه الحوادث وكلهم من الكفاءات المصرية النادرة، وبعضهم مثل محمد منصور كانت استقالته رحمة به.

■ شفرة السكك الحديدية المصرية لم يستطع أحد حلها حتى اليوم رغم الجهود المخلصة والتى بذلها وزراء كثيرون من قبل لتطوير هذا المرفق الحيوى، وآخرهم الفريق كامل الوزير الذى أبلى بلاء حسناً فى ملفى الطرق والسكك الحديدية، ولكن الحوادث المتكررة ظلت تلاحق كل مسؤول لتنغص عليه حياته.

■ أما هذه الحوادث المؤلمة فهى تجعل المصريين فى كدر ما بعده كدر، ولا يكاد من يراها أو يعيشها أو يساهم حتى فى إزالة آثارها أن ينسى تلك اللحظات التى يصفها البعض وكأنها أشبه بيوم القيامة المصغر.

■ فالدماء والأشلاء والجثث تختلط بالمصابين وتمتزج بالحديد والحطام وتتفرق ها هنا وهناك، ولا تكاد الأسر المسافرة سوياً تعرف مصيرها إلا بعد عدة أيام.

■ ورغم هول كارثة سوهاج الأخيرة إلا أن أهل الصوامعة خاصة وطهطا عامة ضربوا أروع الأمثلة فى العطاء والتضحية والكرم والشهامة، فقد تبرع المئات من شباب طهطا وسوهاج بستة آلاف كيس دم ولولا أن المستشفى أعلن كفايته من أكياس الدم لما توقف المتبرعون، فقد كان هناك مئات ينتظرون دورهم فى التبرع.

■ أما المصابون فقد سارع الأهالى بنقلهم بسياراتهم للمستشفيات وسارعوا بنقل بعضهم إلى أسرهم وتجمع المئات من التكاتك لنقل الركاب السالمين إلى قراهم.

■ وفتحت كل صيدليات طهطا أبوابها لتوصل العلاج مجاناً للمصابين، فهناك امرأة مصابة من الركاب لم يكن معها أحد فتكفلت أسرة طهطاوية بمتابعتها فى المستشفى وعرضت استضافتها بعد ذلك، وهناك من كتب على صفحته على الفيس أن لديه شقة مجهزة لاستقبال أسر المصابين.

■ وهذا سائق تاكسى خصصه مجانا لنقل المتبرعين بالدم مجانا وعلق لافتة بذلك، كما أقام أهل قرية الصوامعة جسراً بسفنهم الصغيرة «الفالوكا» وأخشاب النخيل والسلالم الخشبية لعبور المصابين لترعة صغيرة أمام موقع الحادث.

■ وقد كان لجهود أهالى قرية الصوامعة الجهد الأكبر فى إنقاذ عدد كبير من المصابين ونقلهم للمستشفيات قبل فوات الأوان.

■ لقد حولت مثل هذه المواقف الألم إلى أمل، والمحنة إلى منحة، وخففت عن المصابين وحدتهم وأشعرتهم أنهم ليسوا وحدهم فى مواجهة خطوب الحياة، فالمعدن المصرى يظهر وقت الأزمات والشدائد، يتكاتف الجميع، تغيب الأثرة ويحل الإيثار، وتختفى الأنانية ويظهر الانصهار الإنسانى النبيل، حادث قطار سوهاج مأساة تولدت عنها صور الإنسانية الرائعة.

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    185,922

  • تعافي

    143,575

  • وفيات

    10,954

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق