ذُو النُّون المصرى رأسُ الصُّوفية

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

«لا تَسْكُنُ الْحِكْمَةُ مَعِدَةً مُلِئَتْ بِطَعَامٍ..»

منذ قرأتُ هذه الجملة الدَّالة، وأنا فى التاسعة عشرة من عمرى، أتحثَّثُ خُطاى فى أرضٍ جديدةٍ هى سوهاج موطن صاحبها «أخميم»، وأنا أسعى أن أملأ معدةَ رُوحى بتصوفٍ آخر غير الذى سلكتُه مع الشاذلية فى قريتى كفر المياسرة، وأنا صبى صغيرٌ، وكنتُ قد تعرَّفتُ خلال سنتى الأولى فى قسم الصَّحافة بكلية آداب سوهاج جامعة أسيوط وقتذاك بالسيد أبى ضيف المدنى، وكان يعمل وقتذاك موجِّهًا بالتربية والتعليم فى سوهاج، وامتدَّت علاقتى به، حتى بعد تخرُّجى فى الصَّحافة واشتغالى فى مؤسسة الأهرام، عندما كان يأتى إلى القاهرة لمتابعة كتبه حول التصوُّف، ومنها كتابه عن ذى النون المصرى «ذو النون المصرى.. والأدب الصُّوفى»، وقد صدر عن دار الشروق فى القاهرة، والذى قرأته قبل قراءتى كتابىْ عبد الحليم محمود «العالم العابد العارف بالله ذو النون المصرى»، و«المكنُون فى مناقب ذى النون» لجلال الدين السيوطى. لكنَّنى لم أكُن قد قرأتُ رسالة محيى الدين بن العربى «الكوكب الدُّرى فى مناقب ذى النون المصرى» لمحيى الدين بن العربى إلا بعد إعادة نشر رسائل ابن عربى، وقد اهتم بنشر هذه الرسالة صديقى الكاتب سعيد عبد الفتَّاح.

وكان ذو النون المصرى هو البابُ الذى فُتِح لى نحو التصوُّف الإشراقى، وذهابى نحو أقطاب الوقت والشَّطح الذين رافقوا رحلتى فى هذه الدنيا- حياةً وشِعْرًا-، وليس غريبًا أن أتحمَّس وأكتبَ كتابًا عن ذى النون المصرى، وأنا طالبٌ فى الكلية، لكنه ضاع منى ولم يُقدَّر له النشر، وقصة ضياعه مؤلمة وعبثية، ولا مكان هنا للحديث عنها.

كما أنَّنى لم أنس المقولة التى حفظتها عن ذى النون «عرفتُ ربى بربى، ولولا ربِّى ما عرفتُ ربى»، ولم أحتج وسيطًا فى حياتى أو هاديًا ولا مرشدًا أو دليلا لحيرتى.

يكاد يكون ذو النون المصرى- الذى كانت له زاوية صوفية فى أخميم يرتادها رجال الطريق الصوفى- أسطوريًّا من فرط القصص التى نُسجت حوله، والمتصل أغلبها بكراماته وقدراته الخارقة للعادات، فهو ابنٌ لتراثٍ مصرى يونانى، كان موجودًا فى زمانه، خصوصًا الفلسفة الأفلاطونية الحديثة المتأخرة والفلسفة الهرمسية (نسبةً إلى هرمس، وهو عند المصريين أخنوخ، وعند اليونانيين آرميس، وعند المسلمين إدريس، أول من علَّم الكتابة والصَّنعة والطِّب والتنجيم والسحر..)، وهو ابن العاطفة الشاعرية الجيَّاشة، وابن المعرفة الذوقية، وقد انسحب ذلك على آثاره التى تركها شعرًا ونثرًا، فاض قلبه بالمحبة الإلهية، وشُغِل بوحدة الشُّهود، أى لا يرى الصُّوفى شيئًا غير الله، أى حال الفناء، لا وحدة الوجود أى لا يرى الصُّوفى شيئا إلا ورأى الله فيه، أى حال البقاء.

وبالفعل كان ذو النون المصرى لا يرى شيئا إلا ورأى الله فيه. حيث عاش منذ شبابه بقلب سماوى، إذ جال منذ البدايات، فزار مكة ودمشق وأنطاكية وبغداد والمغرب وبيت المقدس واليمن والمدينة، عدا تنقلاته الكثيرة فى صحارى مصر وطور سيناء، وغيرها من المدائن والبلدان. «ارتحلتُ ثلاث رحلاتٍ وعدتُ بثلاثة علوم: أتيتُ فى الرحلة الأولى بعلم يقبله الخاص والعام، وأتيتُ فى الرحلة الثانية بعلم قبله الخاص ولم يقبله العام، وأتيتُ فى الثالثة بعلمٍ لم يأخذ به الخاص ولا العام فبقيت شريدا طريدا وحيدا».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق