إيران مختبر استجلاء القطب العالمي الجديد

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إيران مختبر استجلاء القطب العالمي الجديد, اليوم الثلاثاء 7 أبريل 2026 12:01 صباحاً


في قلب هذا الصراع المحتدم حولنا، تبدو إيران حكاية مزدوجة لا يمكن قراءتها بسطحية.

فمن جهة، يقف شعب فارسي عظيم، ضارب في عمق الحضارة، أثبت عبر القرون قدرات احترافية نادرة ومثابرة في الإنتاج، والتصنيع، والتكيف.

هذا الشعب الذي أتقن صناعة الجمال في سجاده، أتقن اليوم صناعة التعقيد في تقنياته الحديثة، من الصناعات العسكرية إلى الابتكار الهندسي، إلى محاولات امتلاك السلاح النووي، متحديا الحصار وضغوط العقوبات لخمسة عقود، ومثبتا أن الإرادة البشرية قادرة على تحويل القيود إلى أدوات.

غير أن هذه الصورة المضيئة تصطدم بواقع سياسي شديد القتامة؛ حيث تنفصل الدولة عن شعبها بأمور لاهوتية وأطماع تخيلية، وسلطة ميليشيات حولت الوطن إلى كيان مغلق، يصدر ثورة عجيبة عنيفة، ويدير الصراع بمنطق عنف الأحقية الوهمية، لا بمنطق التنمية!

سلطة تجيد استخدام الخطاب التحفيزي، وتحكم السيطرة، وتدفع شباب شعبها للعمل تحت وطأة ظروف معيشية قاسية، بينما تخطط وتدير معاركها الكيدية مع البشرية بعقلية الاستعلاء والمراوغة، والمؤامرة، والخيانات.

وهنا تتجلى المفارقة بين شعب يبدع ما يفعل، وسلطة تسخر هذا الإبداع في معارك التصارع مع الغيب.

في المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لا تتحرك إيران بمنطق قوة متكافئة، بل بوصفها لاعبا ملتفا يضخم وجوده، ويكذب على شعبه.

فحكومة إيران تعتمد الغموض، تلتف، تناور، وتشتت، وتبحث عن مساحات رخوة تضرب من خلالها، لتتمكن من إطالة أمد الصراع بعشم إبليس بالجنة.

إنها حرب أعصاب وغش وخداع أكثر مما هي حرب مواجهة، تكون فيها الجغرافيا أداة تشتيت، وتستخدم أطراف الجيرة وسائط للضغوطات وتوسيع القيمة!

ولكن المشهد لا يكتمل دون النظر مليا إلى القوى التي تقف خلف إيران.

فروسيا والصين، ومستفيدون آخرون يقفون مع حكومة إيران دون أن تظهر وجوههم، يدعمون، يراقبون، يحللون، يساعدون.

فبالنسبة لهم، إيران مجرد حليف متهور، ومختبر مفتوح، تقاس فيه القوة الأمريكية، وتفحص فيه حدود تكنولوجيتها، ومخترعاتها وإمكانياتها.

إيران بالنسبة لهم «حقل تجارب» استراتيجي، يختبرون فيه سيناريوهات المواجهة الكبرى ومكوناتها، ودون أن يدفعوا ثمنها المباشر.

كل سلاح، كل صاروخ يطلق، كل منظومة تستخدم، كل حيلة للتغلغل، وكل رد فعل أمريكي يرصد، ويتحول إلى بيانات تحليل تبنى عليها استراتيجيات مستقبلهم.

دول لا تهتم بالشعب الإيراني، ولكنهم يقرأون فيه ملامح مستقبلهم، فلا تكون مواجهاتهم الأولى مع واشنطن دون استعداد وتجربة ويقين.

وهنا تتجاوز المسألة حدود إيران ذاتها.
فالعالم يقف على أعتاب تحول كبير، والهيمنة الأمريكية لن تكون أبدية، ولا يبدو الصعود الصيني والروسي عبثي!

إن ما يجري اليوم هو محاولات دراسة إعادة تشكيل بطيئة لموازين القوى، وصنع القطب العالمي الجديد، تستخدم في إظهاره الحروب على الشعوب، بطرق غير مباشرة، تبدأ بجس النبض والاختبار والتمهيد.

وبين شعب يبدع رغم القيود، وسلطة متهورة تناور رغم مأزق الرمق الأخير، وبين قوى كبرى تخطط بصمت، تتشكل ملامح عالمنا الجديد.

عالم قد لا يعلن ميلاده اليوم، لكنه يكتب تدريجيا في ميادين مستباحة على مختبر أرض وشعب إيران، حروب تخاض بتنوع الأسلحة، ومخاض عقول، وصبر ورهان طويل لصنع القطب العالمي الجديد، بمستقبل ملحمي يرقص على جثث الغافلين.

shaheralnahari@

أخبار ذات صلة

0 تعليق