نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نار بلا نور!, اليوم الثلاثاء 7 أبريل 2026 12:44 صباحاً
وقد قيل في سالف الدهر إن نار الكرم تشعل لترى ويستدل بها، كما كانت نار حاتم الطائي، تضيء للضيف قبل أن تدفئه، وتعلن عن مروءة لا تحتاج بيانا، وعلى الضفة الأخرى، نار تشعلها الصدور لا الحطب، فإذا بها لا تنير دربا ولا تقيم ضيفا، بل تحرق صاحبها قبل غيره، وتتركه رمادا من ندم لا يرى.
وهنا، يطل علينا مشهد عجيب!
قوم عبدوا النار، فلما عبدوها أحرقتهم، لا لأنها ظالمة فالنار لا تظلم ولكن لأن من يعبد الوسيلة ينسى الغاية، ومن يقدس الشرارة يغفل عن الحريق!
نار وخراب ديار... يا لها من قصة!
نار تحفظ في المعابد، تغذى بخشب مختار، وتحرس بعناية تفوق عناية بعض الناس بضمائرهم! كأنها طفل مدلل، أو فكرة قديمة ألبست ثوب القداسة، فصار المساس بها جريمة، والتفكير فيها بدعة، والنفخ عليها فتنة!
لكن دعونا نسأل، على طريقة الساخرين الجادين:
هل النار التي تحتاج من يطعمها، جديرة أن تطعم العقول؟ وهل الشعلة التي تخبو إن غفل عنها خادمها، تصلح أن تكون رمزا للخلود؟
أم أنها في حقيقتها اختبار طويل لمدى قدرة الإنسان على التمسك بما لا ينفع، والخوف مما لا يضر؟
ولأن التاريخ لا يخلو من الطرائف، فقد بقيت هذه النار مشتعلة قرونا، لا لأنها قوية، بل لأن من حولها كانوا أضعف من أن يطفئوها، أو أشد تعلقا بها من أن يتجاوزوها! وهنا تتجلى المفارقة (شعلة صغيرة، لكن ظلها ممتد وطويل).
أما اليوم، فنرى نيرانا من نوع آخر!
نيران أفكار تشعلها مصالح، وتؤججها شعارات، وتقدم للناس على أنها دفء، فإذا بها لهيب!
وما أشبه الليلة بالبارحة، غير أن الحطب تغير، والموقد تعدد، والحريق ما زال هو الحريق! ولكنه أضاع طريق القدس منذ نصف قرن.
غير أن بين هذه النيران كلها، نارا لا تخيف أهلها، بل يخافها من يقترب منها، إنها نار العزيمة، ونار الدفاع، ونار الرجال إذا استفزوا فاشتعلوا مواقف وحماسا.
وهنا، لا مجال للهزل، فقد احترق ثوب السخرية، فشعب قامت أرضه على التوحيد، وحكومة عرفت معنى السيادة، لا تلوح بالنار عبثا، لكنها إن أجبرت عليها، أشعلتها فعلا لا قولا!
ففي أرض التوحيد، النار ليست معبودا، بل سلاح إذا لزم، وليست طقسا، بل مواقف، وليست لهوا، بل عهد بأن من يطرق الباب بغير سلام، يستقبل بما يليق به المقام!
ونزيد عليها اليوم، لا يطفئ النار إلا من عرف كيف يمسك بها دون أن تحرقه، وكيف يوجهها دون أن تضل طريقها.
ولعل أجمل ما قيل في هذا الباب، كلمة مأثورة تختصر المسافة بين الحكمة والنار، تنسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وددت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار) لا حبا في النار، بل كراهية لما توقده النفوس من فتن، ورغبة في حاجز لا يرى.. لكنه يفهم!
الخلاصة، ليست كل نار تخيف، ولا كل نار تدفئ، ولكن أخطرها تلك التي تشعل في عقل من آمن بهم ثم جلس حولها يصفق! وأصدقها، تلك التي إذا اشتعلت كانت دفاعا لا اعتداء، وحقا لا باطلا.
إياك وفكرة لا تناقش، أو شعلة يطلب منك أن تراها نورا وهي تحرق أطرافك، وإن كان لا بد من نار.. فاجعلها في مطبخ الحكمة، وإن اضطررت.. ففي ميدان لا يدخله إلا من يعرف أن للنار رجالا، وأن الحديد لا يفله إلا الحديد!












0 تعليق