نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
انتصار السلام في مهرجان الطبول, اليوم الخميس 25 يونيو 2026 01:03 مساءً
خمسة أيام من البهجة تحولت فيها القاهرة إلى ساحة لنشر ثقافة السلام بشكل خاص، قبل أن يسدل المهرجان الدولي للطبول والفنون التراثية الستار على دورته الثانية عشرة، خمسة أيام وهي تنصت إلى نبض العالم كله وهو يخفق بإيقاع واحد.
فبين دقات الطبول وخطوات الرقصات التراثية، التقت ثقافات متنوعة داخل مشهد احتفالي واحد، حمل رسالة المهرجان وشعاره: حوار الطبول من أجل السلام.. ومن التاسع عشر وحتى الثالث والعشرين من يونيو، تحولت الساحات والشوارع والميادين إلى مسارح مفتوحة للحوار الإنساني، حيث تحدثت الشعوب بلغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة، فكانت الإيقاعات الشعبية وسيطا عابرا للحدود واللغات والاختلافات.
توزعت فعاليات المهرجان بين ساحة دار الأوبرا المصرية أمام متحف الفن المصري الحديث، وممر بهلر بوسط القاهرة، ومسرح السامر، وشارع المعز، في محاولة واعية للوصول بالفن حيث يتواجد الناس بعيدا عن المسارح المغلقة.
وكانت ساحة دار الأوبرا المصرية شاهدة على لحظتي البداية والنهاية، افتتاح حمل ملامح الاحتفال الجماعي، وختام جمع الفرق المشاركة في لوحة إنسانية واحدة.
وشهدت الدورة الثانية عشرة مشاركة فرق تمثل تسع دول هي: مصر، واليمن، والصين، والهند، والسودان، وجنوب السودان، وفلسطين، واليونان، وإندونيسيا، لتقدم كل منها جزءا من ذاكرتها الفنية وتراثها الشعبي.
لكن الأجمل أن مصر نفسها حضرت داخل المهرجان بتنوع رائع. فمن مدن القناة إلى النوبة، ومن الدلتا إلى الصعيد، شاركت خمس عشرة فرقة مصرية تمثل أقاليم متعددة وملامح ثقافية متنوعة، مؤكدة أن التراث المصري ليس لونا واحدا، بل بحرا من الحكايات والإيقاعات والرقصات والأزياء والذاكرة الشعبية.
وحضرت فرقة حسب الله العريقة بما تمثله من جزء أصيل من الوجدان المصري، ذلك الصوت الذي ارتبط بالاحتفالات الشعبية والبهجة منذ سنوات، كما شاركت فرق من ذوي الهمم لتقدم نموذجا ملهما يؤكد أن الفن مساحة إنسانية لا تعترف بالفوارق ولا بالحواجز، وأن الإبداع قادر دائما على تجاوز ما تفرضه الحياة من حدود.
أما الجمهور المصري، فكان شريكا حقيقيا في صناعة نجاح تلك الدورة. فقد شهدت مواقع العروض المختلفة حضورا كبيرا وتفاعلا لافتا، خاصة في شارع المعز وممر بهلر وساحة الأوبرا، حيث امتزج المتفرجون بالفنانين في مشاهد احتفالية أقرب إلى عيد شعبي كبير مبهج.
وعلى مستوى التكريمات، اختارت إدارة المهرجان أن تحمل الدورة اسم الدكتور ثروت عكاشة، أحد أبرز بناة المشروع الثقافي المصري الحديث، تقديرا لدوره التاريخي في تأسيس المؤسسات الثقافية والحفاظ على تراثنا المصري.
كما كرّم المهرجان الموسيقار الكبير عمر خيرت، والفنانة الكورية كيم سو هي، إحدى أبرز حراس التراث الموسيقي الكوري، والفنانة الجنوب أفريقية مانتومبي ماتوتيانا، والممثل المكسيكي فيسنتي فرنانديز، وتسلمت التكريم نيابة عنه باولينا ميرينو مسؤولة الشؤون الثقافية والتعاون بسفارة المكسيك بالقاهرة؛ تقديرا لجهودهم في الحفاظ على الفنون التراثية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
وربما يبقى الاسم الأكثر التصاقا بهذه التجربة هو الفنان انتصار عبد الفتاح، صاحب الفكرة ومؤسس المهرجان وقائده منذ انطلاقه. فعلى مدار اثنتي عشرة دورة لم يتعامل مع المهرجان على أنه حدثا موسميا، بل مشروعا ثقافيا وإنسانيا طويل النفس، مشروع يؤمن بأن الفن قادر على ترميم ما تهدمه السياسة، وأن الإيقاع الشعبي البسيط يستطيع أحيانا أن يقول ما تعجز عنه الخطب الطويلة.
فظل انتصار عبد الفتاح هذا العام كما كان دائما فنانا مخلصا لفكرته، مؤمنا برسالته، منحازا للتراث وحريصا على إحيائه. ومن خلال رؤيته استطاع المهرجان أن يحافظ على خصوصيته بين المهرجانات الدولية، وأن يظل مساحة مفتوحة للحوار بين الثقافات المختلفة تحت مظلة الفن.
انتهت فعاليات الدورة الثانية عشرة، وسكنت الطبول بعد أيام من الضجيج الجميل، لكن الرسالة بقيت خالدة، فالسلام ليس شعارا يرفع بل حالة تعاش، وأن الفن قادر على ترجمته لكل العالم.


















0 تعليق