نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رحلة إلى العالم الآخر منذ 4 آلاف عام، "متون التوابيت" ضمن إصدارات القومي للترجمة, اليوم الاثنين 7 سبتمبر 2026 01:02 مساءً
يواصل المركز القومي للترجمة إتاحة الأعمال التي تفتح نوافذ جديدة على الحضارات القديمة، ومن بينها كتاب "متون التوابيت المصرية القديمة.. مختارات"، الذي يقترب من واحد من أكثر جوانب الحضارة المصرية القديمة إثارةً للدهشة؛ رحلة الإنسان إلى العالم الآخر كما تخيلها المصري القديم، وكما حفظتها لنا النصوص التي عبرت آلاف السنين.
كتابمتون التوابيت المصرية
ويستهل الكتاب رحلته بهذا المقطع اللافت: «صنعتُ الرياح الأربع، كي يتنفَّس كل إنسان بها كصنوه، في جهته، وصنعتُ الفيضان الكبير، كي يشتدَّ البائس به مثل الكبير. وصنعتُ كل إنسان كصنوه، ولم أمر أن يصنعوا الظُّلم، بل إنَّ قلوبهم هي التي عصت ما قلتُ»، وهو النص الوارد في المتن الثلاثين بعد المائة والألف، ليكشف منذ البداية عن عالم فكري وإنساني لا يقف عند حدود الطقوس والموت، وإنما يطرح أسئلة العدالة والخلق والإنسان ومصيره.
فمنذ نيف وأربعة آلاف سنة، وفي أعقاب حراك اجتماعي واسع رافق تداعي الدولة القديمة، بدأ الأدب المصري المكتوب انطلاقته الكبرى، بما أتاحه له هذا الحراك من حرية مكَّنت الفرد من التعبير عن ذاته. وفي الأدب الديني، كانت "متون التوابيت" واحدة من تجليات هذا التعبير، إذ صورت الرحلة الأخروية للإنسان وهو يرتدي أقنعةً وأرديةً وشخصياتٍ إلهية، تجسد آماله وأحلامه ومخاوفه وهواجسه، عبر مشاهد متفرقة ومتنوعة، تتكامل في مجموعها لتقدم صورةً بالغة الثراء لعالم المصري القديم ورؤيته للحياة والموت وما بعدهما.
ومن خلال هذه المشاهد، لا تبدو الرحلة إلى العالم الآخر مجرد انتقال من عالم إلى عالم، وإنما تتحول إلى تجربة إنسانية كاملة، تتقاطع فيها المخاوف مع الأحلام، والرغبة في النجاة مع البحث عن الخلود، وتتشكل فيها تصورات الإنسان عن الآلهة والمصير والوجود. ومن هنا تبدو «متون التوابيت» أشبه بـ«الكوميديا الإلهية» المصرية القديمة في أجلى صورها؛ رحلة تتعدد فيها الشخصيات والأقنعة والمشاهد، لكنها تنطلق جميعًا من سؤال إنساني واحد: ماذا ينتظر الإنسان حين يعبر حدود الحياة؟
ويقدم الكتاب نخبة مختارة من هذه المتون، مترجمة مباشرة عن اللغة المصرية القديمة على يد أشرف محمد فتحي، في محاولة لسد النقص الحاد الذي تعانيه المكتبة العربية في هذا المجال، وإتاحة جانب مهم من الأدب المصري القديم للقارئ العربي، لا بوصفه أثرًا من آثار الماضي، وإنما نصوصًا تحمل في داخلها أسئلة الإنسان الأولى عن الخوف والعدالة والخلود والمصير.
وهكذا يأتي "متون التوابيت المصرية القديمة.. مختارات" ليمنح القارئ فرصة الاقتراب من كلمات كُتبت منذ آلاف السنين، لكنها لا تزال قادرة على أن تهمس له بالأسئلة ذاتها التي شغلت الإنسان منذ فجر التاريخ؛ فالموت قد يطوي الأجساد، لكن الكلمات التي تبحث عن معنى للحياة تعرف طريقها إلى الخلود.


















0 تعليق