من إدارة الندرة إلى قيادة العالم... السعودية تعيد رسم خريطة المياه عالميًا

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من إدارة الندرة إلى قيادة العالم... السعودية تعيد رسم خريطة المياه عالميًا, اليوم الاثنين 29 يونيو 2026 01:55 مساءً

لم تعد المياه في المملكة العربية السعودية قضيةً تقتصر على إدارة الموارد وتأمين الإمدادات، بل أصبحت ركيزةً لبناء نموذج تنموي متكامل، وأداةً لتعزيز النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي، ومنصةً لقيادة الحوار العالمي حول أحد أكثر ملفات المستقبل حساسية. ومن جدة، أعلنت المملكة انتقالها من تطوير حلولها الوطنية إلى تصدير تجربتها المؤسسية للعالم، عبر أسبوع المياه السعودي 2026، الذي رسّخ مكانتها لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح مستقبل قطاع المياه عالميًا.

ويُعد الأسبوع أكبر تجمع متخصص في قطاع المياه تشهده المملكة، إذ استقطب أكثر من 5000 مشارك من 80 دولة، متجاوزًا المستهدف الأولي البالغ 2500 مشارك، بمشاركة 20 وزيرًا ورئيس وفد، و180 متحدثًا، يقدمون خبراتهم عبر 97 جلسة وورشة عمل، إلى جانب معرض متخصص يضم أكثر من 20 جناحًا يستعرض أحدث التقنيات والحلول المبتكرة في مجالات التحلية، وإعادة الاستخدام، والحلول الرقمية، وإدارة الموارد المائية.

ولا تنبع أهمية الحدث من حجمه فحسب، بل من توقيته أيضًا؛ إذ يمثل محطة استراتيجية على طريق استضافة المملكة المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في الرياض عام 2027، من خلال احتضانه الاجتماع التشاوري الثاني للمنتدى العالمي للمياه، إلى جانب المنتدى العربي السابع للمياه، بما يعكس تنامي الثقة الدولية بالدور السعودي في قيادة الحوار العالمي حول الأمن المائي.

وخلال افتتاح أعمال الأسبوع، أكد وزير البيئة والمياه والزراعة، المهندس عبد الرحمن الفضلي، أن المملكة أنجزت خلال أقل من عقد تحولًا جذريًا في قطاع المياه، انتقلت فيه من نموذج يعتمد على التوسع في الإمدادات إلى نموذج يرتكز على الكفاءة والاستدامة والحوكمة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 والاستراتيجية الوطنية للمياه.

وتجسد الأرقام حجم هذا التحول؛ إذ انخفض استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة من نحو 21 مليار متر مكعب عام 2016 إلى نحو 11 مليار متر مكعب في عام 2025، أي بانخفاض يقارب 50 في المائة، في واحدة من أكبر عمليات المحافظة على الموارد المائية في المنطقة. ويعكس هذا الإنجاز نجاح المملكة في تقليص الاعتماد على المياه الجوفية، عبر التوسع في التحلية، ورفع كفاءة الاستخدام، وإعادة هيكلة المنظومة المائية وفق أسس أكثر استدامة.

وفي المقابل، ارتفعت الطاقة الإنتاجية للمياه المحلاة من 9 ملايين متر مكعب يوميًا إلى 16 مليون متر مكعب يوميًا، فيما وصلت خدمات مياه الشرب الآمنة إلى 100 في المائة من السكان، منها 85 في المائة عبر شبكات المياه، كما ارتفعت السعة التخزينية الاستراتيجية بأكثر من 125 في المائة، بما عزز مرونة منظومة الإمداد وقدرتها على مواجهة المتغيرات والأزمات.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أسهمت الإصلاحات التنظيمية وتمكين القطاع الخاص في استقطاب استثمارات تجاوزت 60 مليار ريال (16 مليار دولار)، انعكست على رفع كفاءة التشغيل، وخفض تكلفة إنتاج المياه، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتعزيز جاذبية القطاع للاستثمار.

وفي تصريح صحفي، أكد الفضلي أن التجربة السعودية باتت تحظى باعتراف دولي واسع، مشيرًا إلى أن تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي أشادت بالإطار المؤسسي الذي طورته المملكة، وسرعة تنفيذ المشروعات، وكفاءة الحوكمة، مضيفًا أن رضا المستفيدين بلغ أعلى مستوياته، مع استمرار العمل على تطوير القطاع. وشدد على أن «الاستثمار في المياه هو استثمار في أمن الإنسان، واستقرار الاقتصاد، واستدامة التنمية».

ولم يقتصر الاعتراف على المؤسسات الدولية، بل امتد إلى أبرز القيادات العالمية في قطاع المياه؛ إذ أكد رئيس المجلس العالمي للمياه، لويك فوشون، أن الرياض تستحق أن تكون «عاصمة العالم للمياه»، مشيدًا بالدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات المائية، ومعتبرًا أن استضافة الرياض للمنتدى العالمي الحادي عشر للمياه عام 2027 تعكس الثقة الدولية المتنامية في التجربة السعودية وريادتها في هذا القطاع الحيوي.

وأكد وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة لشؤون المياه، الدكتور عبدالعزيز الشيباني، أن أسبوع المياه السعودي يمثل منصة تجمع الحوار العالمي والأولويات الإقليمية والتجربة الوطنية، موضحًا أن الحدث تجاوز جميع التوقعات، واستقطب أكثر من 5000 مشارك من 80 دولة، بمشاركة 20 وزيرًا ورئيس وفد و180 متحدثًا، يتبادلون الخبرات عبر 97 فعالية، إلى جانب معرض متخصص يضم أكثر من 20 جناحًا. وأضاف أن الأسبوع يستعرض رحلة التحول التي شهدها قطاع المياه السعودي من خلال 22 جلسة علمية، و16 حلقة نقاش، وخمس جلسات عامة، وخمس ورش عمل، بهدف نقل التجربة السعودية إلى العالم والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية.

ومن جانبه، أكد وزير الموارد المائية والري المصري، الدكتور هاني سويلم، أن العالم يشهد اتساعًا متسارعًا في الفجوة بين الاحتياجات المائية والموارد المتاحة نتيجة التغيرات المناخية والنمو السكاني، مشددًا على أن «مستقبل المياه أصبح مرتبطًا مباشرة بالأمن المائي، ومن ثم بالأمن الغذائي وأمن الطاقة».

وأوضح سويلم أن المملكة ومصر تمتلكان مقومات تؤهلهما لقيادة حلول مبتكرة في قطاع المياه، بفضل توافر الطاقة الشمسية، واتساع الصحارى، وإمكانات تحلية المياه، داعيًا إلى توسيع التعاون العربي في مجالات التحلية، والابتكار، والتقنيات الحديثة، بما يعزز الأمن المائي والغذائي.

وفي سياق دعم كفاءة استخدام المياه، أعلن المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه «مائي» توقيع ست اتفاقيات تعاون مع جهات حكومية وخاصة وغير ربحية، لتطوير مبادرات مستدامة ونشر ثقافة الترشيد، كما أطلق جائزة «مائي»، التي تُمنح كل عامين لتحفيز الابتكار وتكريم أفضل المبادرات والممارسات في كفاءة استخدام المياه ونشر الوعي المائي.

وشهد الأسبوع جلسات علمية متخصصة ناقشت أحدث التقنيات في التحلية، وإعادة استخدام المياه، والحلول الرقمية، وتحويل الوعي المائي إلى سلوك مجتمعي مستدام، إلى جانب استعراض التجربة السعودية في إدارة الموارد المائية، بوصفها إحدى أبرز تجارب التحول المؤسسي على مستوى العالم.

كما شهدت الفعاليات مشاركة وفود عربية ودولية رفيعة، من بينها وفد الجمهورية العربية السورية، الذي أكد أهمية الاستفادة من التجربة السعودية في إدارة الموارد المائية، وتبادل الخبرات والتقنيات الحديثة، بما يسهم في تعزيز الأمن المائي في المنطقة.

ولا يبدو أسبوع المياه السعودي مجرد فعالية متخصصة أو مؤتمر دولي، بل يمثل جزءًا من مشروع استراتيجي أوسع يشمل إطلاق المنظمة العالمية للمياه، وإنشاء المركز الدولي لأبحاث المياه، واستضافة المنتدى العالمي للمياه 2027، في إطار رؤية تستهدف ترسيخ مكانة المملكة مركزًا عالميًا للسياسات المائية، والابتكار، والاستثمار، وبناء الشراكات الدولية.

ومع اقتراب استضافة الرياض المنتدى العالمي للمياه عام 2027، لا تبدو المملكة منشغلة بإدارة مواردها المائية فحسب، بل بإعادة صياغة الطريقة التي ينظر بها العالم إلى المياه؛ من موردٍ محدود إلى رافعةٍ للتنمية، ومن تحدٍ بيئي إلى فرصة اقتصادية، ومن قضية خدمية إلى محورٍ للتعاون الدولي وصناعة المستقبل. وهذا التحول لا يعكس نجاحًا سعوديًا في إدارة قطاع حيوي فحسب، بل يرسخ نموذجًا تنمويًا جديدًا يضع المملكة في صدارة الدول التي تقود الحوار العالمي حول الأمن المائي والاستدامة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق