دليل النصائح الفارغة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دليل النصائح الفارغة, اليوم الثلاثاء 3 فبراير 2026 12:43 صباحاً


ما أكثر النصائح وما أقل جدواها، قبل أن نستيقظ وقبل أن نعرف يتخم هاتفك حكماء بالجملة، وعاملون بالقطارة، كلام يعاد تدويره؛ بلاستيك فكري لا يتحلل وبجودة رديئة، وأفعال نادرة، كالأمطار بشهر أغسطس، إن أمطرت. الجميع يعرف الطريق وينصح به، ولا أحد يمشيه لأن مساهمة أصحاب النصائح الفارغة هي الكلام فحسب وعلى الناس أن يمشوا على كلامهم. نصائح تتساقط علينا أكثر من أمطار الوسم، لكنها - للأسف - أقل نفعا من خشاش أرض يختبئ لقط حائر أو كلب ضال. نسمع كثيرا، نكتب أكثر، ونفعل أقل... ثم نتساءل ببراءة: لماذا لا يتغير شيء.

معظم النصائح ليست نسخا ولصقا فحسب بل غير موثقة بمراجع تجعلنا لا نثق بما نقرأ، فكيفي الاستحسان وغرائب الكلام ليتحول لقواعد وحكم، وعليك التصديق وإن كنت ناصحا ودقيقا فاستعد للهجوم من متبني حكم الصباح والذين يغيرون رأيهم بالمساء.

النصائح هذه الأيام ليست نسخا ولصقا فحسب، بل مجهولة الأبوين بلا شهادة ميلاد معرفية، نثق بها فقط لأنها قيلت بأسلوب الواثق مع إبداع في الإخراج البصري الذي يمنحك المتعة ويسلبك العقل الناقد. غرائب الكلام تتحول فجأة إلى حكم، والخواطر الفارغة تُرقّى إلى أفكار خالدة، والمطلوب منك أن تصدق وتروج، فالتشكيك قلة ذوق، والمناقشة تعني أنك قاتل للمتعة!

أما إن كنت ناصحا ودقيقا، وسألت «من قال؟ ولماذا؟ وكيف؟» فاستعد للهجوم. ستتهم بالتعقيد، وقتل الإلهام، وربما بمعاداة سامية الأفكار الإيجابية. فهناك قوم يتبنون حكمة اليوم بحماسة، ويناقضونها سلوكا دون اعتذار، ويطالبونك بالتصفيق لهم في الحالتين. في هذا العصر، لا تحتاج الحكمة إلى دليل، بل إلى تطبيق منتشر لدى العامة والسطحيين ومروجي الإشاعات، ولا تحتاج القاعدة إلى منطق، بل إلى عدد مشاركات كاف ومتابعين ولا تنسى (اللايك)، أما العقل؟ فمطلوب منه أن «يفرزن» نفسه في متحف الصامتين على مضض.

وخذ هذه السلسلة التي قد لا تروق للمؤثرين بلا أثر في مواقع التواصل الاجتماعي: أي نصيحة غير موثقة هي نصيحة فارغة، لأننا - ببساطة - نحتاج أن نثق بما نسمع ونقرأ، لا أن نخدر به. فمن غير المعقول أن ينسب الكلام لأحد بلا مستند، أو على الأقل بلا سبب واحد مقنع يمنحنا حق الاطمئنان. لكن في زمننا هذا، يكفي أن تقال الجملة بثقة، لتتحول إلى حقيقة كونية لا تقبل النقاش.

وأي نصيحة لا يعمل بها صاحبها هي نصيحة فارغة أيضا. فلو كان جمع المال سهلا كما يشرحه بعضهم، لكان أول الأثرياء من كتبوا عنه. وفاقد الشيء - مهما حسن لغته - لا يعطيه: العصبي يحرم الغضب، والأحمق يتغنى بالحلم، والمشهور يكثر الحديث عن التواضع، أما القارئ والمشاهد... فوظيفته أن يكون أحمق مصدقا ما يقال له.

هذا السيل من النصائح المثالية التي لا تلامس الإنسان، ولا تعترف بتعقيده، ليست حكما بل خيال تنظيري. فالإنسان ليس آلة صينية الصنع مبهرة تعمل بزر واحد، بل كائن حي مشاعره خليط فوضوي من حب وكراهية، رغبة وتناقض، ضعف وتأمل. وأي نصيحة بلا مسؤولية هي نصيحة فارغة كذلك؛ كمن يرميك في البحر ثم يصرخ: «اسبح!» وليس مهووسو السياسة عن هذه الفكرة ببعيد. بل إن بعض النصائح تقدم بنوايا خبيثة، وأقل ما يقال عنها إنها فارغة، إن لم تكن مضرة بالأمن والمستقبل.

أما ذاك الذي يرسل نصائح الجمعة ومثاليات التدين بانتظام آلي، فقد أفقد الجمعة روحانيتها، والصباح جماله، والنصيحة توقيتها الرائع... وجعل الحكمة إشعارا مزعجا يمكن كتمه، أو أرساله للأرشيف.

تعبنا من ضجيج القلق الذي ينشر بعباءة الحكمة وجنون النصيحة ولعل الله يجعل لنا مخرجا.

Halemalbaarrak@

أخبار ذات صلة

0 تعليق