نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
النفاق الحضري, اليوم الأحد 3 مايو 2026 12:44 صباحاً
النفاق في اللغة يعني الإخفاء، والستر، وإظهار نمط أو تصرف أو سلوك خلاف الباطن. النفاق يظهر أحيانا لتجميل الصورة البصرية العامة التي تخفي معها باطنا خلاف ذلك. يقول الله تعالى في وصف المنافقين (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة). وفي هذا تبيان دقيق بظاهر قوي ومتين خلاف الباطن؛ بل إنهم كالأخشاب التي تبدو صلبة وقوية في ظاهرها؛ ولكنها في الواقع تستند إلى غيرها وتحتاج إلى دعم. أخشاب واهنة؛ لأنها لم تبن على أساس ثابت وقويم. والسؤال الناجز هنا هل يمكن إسقاط هذا الوصف الدقيق للمنافقين على مستوى المدينة؟ وهل يمكن أن تحمل المدينة بعضا من صفات النفاق بأن تبدو قائمة بذاتها ومبهرة؛ ولكنها خالية الجوهر تفتقد إلى هوية أصيلة وأنماط حياة اجتماعية متكاملة؟ والإجابة هي نعم، فالمدينة هي انعكاس للإنسان، فكل ما يجري على الإنسان يجري على المدينة. نظريا، أرى أن تجليات «النفاق الحضري» في المدن عموما يمكن استنباطها تماما من الآية الكريمة وفقا لثلاث دلائل رمزية وهي: فراغ المعنى، وغياب الاستقلالية، وفقدان الهوية.
أولا: فراغ المعنى، ونعني به أن العناصر الوظيفية في المدينة لا تعكس المعنى والغاية الحقيقية لها وهي الارتقاء بالمجتمع وأساليب المعيشة. الفراغات والمباني مصممة لتعطي إيحاء بصريا جميلا؛ ولكنها ليست متكاملة مع الوظيفة، فهي في الواقع لا تعبر عن تجربة إنسانية عميقة ولا تحقق الاحتياج الإنساني. مبان بلا روح، وفراغات بلا تفاعل، وأنماط معمارية رمزية مستعارة من التراث لتسويق المكان.
ثانيا: غياب الاستقلالية، والاعتماد على الآخر، فهي مدينة غير مستدامة وغير قادرة على استنطاق مواردها الذاتية لتلبية احتياجات ساكنيها. مدينة تتوسع دون وجود موارد أو قاعدة اقتصادية تقوم عليها، وتعتمد على أنماط نقل وطاقة أحادية. مدينة تفتقر إلى المشاركة المجتمعية في صناعة القرار أو تستخدم المشاركة الرمزية كخيار لتحسين عملية صناعة القرار. مدينة هي الأقرب إلى «الخشب المسندة» لا يمكنها الوقوف بذاتها دون الاستناد على الغير. فهي تعتمد على الخبراء الأجانب وتعمل على تطوير نظم عمرانية مستوردة لا تتكيف مع البيئة والثقافة المحلية لتبدو جميلة في الظاهر وخاوية في الجوهر.
ثالثا: فقدان الهوية، فالمدينة لا تعكس التفرد والأصالة والبناء وفقا للتجربة الاجتماعية عبر التراكم الزمني المرتبط بالمكان. البيئات العمرانية تفتقد اتصاليتها بالتسلسل الاجتماعي، فهي بيئات مستوردة لا ترتبط بثقافة المجتمع. بعبارة أخرى، عمران مجرد، لا يخضع لسردية أو ذاكرة اجتماعية، وغير قابل للاستدامة.
إن هذه المدن تعيش حالة «نفاق حضري» لتوحي بالحياة والتفاعل والتماسك الاجتماعي، مدن تنتج عمرانا لتسويق المكان؛ ولكنها لا تنتج الإنسان الذي يبني هذا العمران. مدن لا تتبع مسارا إجرائيا واضحا لتؤكد دوما على تطوير المنتج العمراني دون محاولة تطوير المنظومة التي قادت إلى خلق هذا المنتج.
ختاما، فإن التحدي في بناء المدن لا يعني أن نشيد مباني وجسورا وناطحات سحاب مثيرة للإعجاب كأنها خشب مسندة؛ بل أن ننتج ثقافة المعنى التي تعبر عن التجربة الإنسانية والممارسة المجتمعية، وننتج عمرانا مستداما يعبر عن تفاعل الإنسان بالمكان والزمان، نابعا من المجتمع، وقادرا على الحياة.

















0 تعليق